كل من زار دمشق القديمة في يوم من الأيام لا بدّ أنّه زار كذلك سوق الصاغه ( سوق بيع الذهب ) ، وهو الاسم الّذي يُطلق على المحلات التي تبيع الذهب والمجوهرات والتي تقع في الطريق الواصل بين سوق البزورية والجامع الأموي.

تعج محلات الصاغة على جانبي السوق بالنساء خاصةً، ولا سيما قبل موعد زفاف إحداهنّ، حيث تترافق عادةً قريبات العروس مع قريبات العريس إلى هذا السوق العريق لشراء ما يُعرف بالشبكة، وهي إحدى العادات التي أخذت مكانًا مهمًا في مراسيم الأعراس على مدى أعوام طويلة، ولا يمكن أن يمر عرس ما دون هذا التقليد.

إضافةً إلى شراء خواتم الخطبة و لوازم الزواج كان أهل دمشق وريفها يتوجّهون إلى السوق رغبةً في اقتناء تلك الحليّ لعدة أسباب، أهمها اعتبار الذهب اداة ادخار ، وطريقة لحفظ المال لسنوات عديدة، ومن هذه الاسباب أيضًا الرغبة في شراء هدية ثمينة لاهدائها في المناسبات العامة كنجاح أحد الطلّاب أو عند قدوم المولود الجديد.

وعند انتقالك خارج دمشق ستجد ذات العادات تقريبًا، وستجد ذات الأسباب التي تدفع الناس لشراء الحلي الذهبيّة، وهذا الإقبال الّذي تجده من جميع أطياف المجتمع في جميع المدن السوريّة انعكس إيجابًا على صناعة المجوهرات وجعلها واحدة من أهم الصناعات في سوريا، وستشعر بالحداثة في التصاميم ، حيث أبدع السوريون في تصميم الحليّ الذهبيّة بالرغم من الحفاظ على هوية الصناعة التي تعود جذورها إلى آلاف السنوات.

تاريخ عريق مع تجديد مستمر

للتأكيد على عراقة صناعة المجوهرات في سوريا فلا بدّ لنا من زيارة خاطفة للمتحف الوطني، وإذا ما تخيّلنا أنفسنا نتجول في أروقة المتحف فلا بدّ لنا من مشاهدة تلك المشغولات الذهبيّة التي يرجع تاريخها إلى ما يقرب من ٥ آلاف سنة، وتلك المشغولات الّتي تتوزع على قاعات المتحف الوطني صنعها أجدادنا بطُرق يدويّة، ومع ذلك حافظت على جمالها وبريقها طوال تلك السنين، وفوق كل هذا قامت هذه الحليّ التاريخية بإلهام صنّاع المجوهرات في سوريا على مدى أعوام كثيرة؛ حيث توارث الصاغة هذه المهنة من آبائهم واستلهموا أشكال مصاغهم  من الحلي القديمة بعد أن أضافوا عليها لمسات تتناسب مع ذوق العصر الحديث؛ لذلك ستشاهد هنا وهناك تصميمات كثيرة حديثة تستلهم بذات الوقت تراث الأجداد والآباء.

تمتلىء كذلك خزائن المتحف الوطني بأشكال متنوعة من المشغولات الذهبية المكتشفة في ايبلا وتدمر وأوغاريت، والتي تدل هي الأخرى على عراقة هذه الصناعة والتي انعكست بشكل مباشر على تصاميم المجوهرات في المحافظات السورية كافة.

لكن على صعيد آخر تجد أنّ كثير من صناع المجوهرات أتخذوا طريقهم الخاص وابتعدوا عن قليلًا عن التاريخ وأبدعوا تصاميمهم  من وحي خيالهم فقط، وصنعوها بدقة لا متناهية؛ وبسبب شهرة دمشق وحلب والحافظات الأُخرى في إنتاج أجمل وأجود أنواع المصوغات الذهبية نجد أن سوريا جذبت عدة شركات عالمية حيث أقيمت عدة معارض للذهب والمجوهرات لتلك الشركات مع مشاركة سوريّة غنيّة.

صناعة الذهب في سوريا من خلال الأرقام

لا يُمكن الاعتماد هنا على إحصائيات مؤكدة ولكن تقرير لصحيفة محلية تحدث عن أنّ هنالك حوالي خمسة عشر ألف حرفي سوري يعملون في صناعة المجوهرات والحلي الذهبيّة ويتوزع هؤلاء بين مصنّع للذهب وبائع له، إضافة إلى خمسة آلاف حرفي سوري يعملون في الخارج ويتوزعون بين دول الخليج العربي ومصر مع نسبة أكبر في دول الخليج.

كما أضاف التقرير بأنّه يوجد خمسة آلاف محل لبيع الذهب في سوريا منها ٢٦٠٠ محل في دمشق وحدها. ويقدر رئيس جمعية الصاغة بدمشق الكمية التي تباع في سورية عند انخفاض السعر بمئتي  كيلوغرام يوميًا وتقدّر كمية الذهب المدخرة ٣٠ طنًا موجودة في أسواق الصاغة بالمحافظات.

ماذا عن الألماس؟!

صياغة الألماس حكاية مختلفة عن حكاية الذهب، فالمجتمع السوري تغلب عليه الفئة المتوسّطة، وكما قلنا فهذه الفئة كانت تشتري الذهب لسبب الزينة ولكن هذا ماكان يفعله فقط 10 بالمئة من المشترين، في حين التسعين بالمئة الباقية كانت تشتري الذهب بهدف الادخار.

أمّا في حالة الألماس فالوضع مختلف، حيث تنعكس النسبة تمامًا؛ لأنّ معظم الشارع السوري كان يرى في الألماس زينة أكثر منه طريقة للاستثمار بعيد المدى؛ ولذلك انحصر سوق الألماس في الطبقة الأكثر ثراءً، ولنتأكد من ذلك يكفي أن ننظر إلى أسعار أطقم الألماس في أوائل العام 2011، لنجد أنّها بحسب موقع الاقتصادي، كانت تبدأ من 200 ألف ليرة سورية وقدّ تصل إلى عدة ملايين ليرة، وهذه الأسعار كانت كفيلة بجعل معظم الشارع السوري يهجر الألماس ويكتفي بالذهب.

يذكر موقع الاقتصادي كذلك أنّ سوق الألماس بالرغم من ذلك كان يشهد نموًا تدريجيًا واهتمامًا متزايدًا، فكان معرض “لتكن لؤلؤة” الذي أقيم في دمشق في حزيران من العام 2011، أكبر مثال على ذلك الاهتمام، وخاصةً لو عرفنا أنّ المعرض تمّ بمشاركة 36 فنانًا وفنانة من عدة بلدان.

عانى سوق الألماس من ضعف الإقبال وبعض القوانين الإقتصاديّة، وبالرغم من ذلك كان قدّ بدأ بالنمو والتعافي، وللأسف لم أتمكن من الوصول إلى معلومات عن الوضع الحالي لهذا السوق، ولكنه بالتأكيد تأثر بما يحدث كمختلف جوانب الحياة.

المجوهرات التقليدية (الذهب الروسي)

بالرغم من أنّ أسعار الذهب كانت أكثر قبولًا من أسعار الألماس لدى المشتري السوري، إلّا أنّها كانت بدورها لم تناسب كل أطياف المجتمع؛ ولذلك وجدت صناعة المجوهرات التقليدية أو ما كان يُطلق عليه بالذهب الروسي طريقها إلى السوق، بل وشهدت ازدهارًا  خلال عدة عقود، والأسباب الرئيسية هي تلبية حاجات النساء ممن لم يملكنَ المقدرة على شراء الحلي الذهبية.

أسعار الذهب الروسي بأسعار عام 2010 بدأت من 400 ليرة سورية، ووصلت في بعض الحلي إلى 1500 ليرة سورية، وهذه الأسعار سمحت لكثير من النساء بشراء عدد لا بأس به من الحلي التقليدية وهذا الأمر لم يكن ليحدث بأي حال مع الذهب الحقيقي

تُشير التقديرات إلى أن هنالك أكثر من 100 ورشة اتخذت من دمشق مكانًا لها في عام 2010، ونافست على مدى وقت طويل سوق الذهب الحقيقي.

صناعة الساعات السويسرية

لا شكّ في أنّ الساعات السويسرية هي الأشهر من بين قريناتها؛ ويعود ذلك لتمتعها بالمتانة والأناقة على حدٍ سواء، وبسبب ذلك كانت تعدّ صناعة هذه الساعات وصيانتها مكافئةً لصناعة المجوهرات بل تفوقها من حيث الأهمية في بعض الأحيان، وقدّ امتهن هذه المهنة عدد من السوريين وبرعوا بها حدّ التفوّق، ومن أبرزهم نذكر السيّد هاكوب كازانجيان صاحب  الشركة العريقة “كازانجيان ووتشز”.

بدأ تاريخ هذه الشركة مع هجرة عدد كبير من الناجين من أحداث الإبادة الجماعية للأرمن إلى الشرق الأوسط وخاصةً إلى سوريا، مما أدى إلى تأسيس مجتمع أرمني ضخم هناك. في منتصف القرن العشرين، كانت ابنة أحد الناجين التي تُدعى عايدة  تملك شغفًا تجاه الساعات السويسرية، وترى فيها مستقبلًا ومجدًا كبيرين وكانت تحلم هذه الشابّة بالزواج من صانع ساعات شاب يشاركها شغفها. حققت الشابة فيما بعد حلمها وتزوجت من صانع الساعات السيد هاكوب كازانجيان في عام 1975 الّذي كان قدّ أسس شركة “كازانجيان ووتشز” في عام 1960 في مدينة حلب في شمال سوريا.

عملت العائلة جاهدةً لتوسيع أعمالها وإنشاء شبكة من مراكز بيع التجزئة في جميع أنحاء سوريا. ومن هنا أصبحت عائلة كازانجيان واحدة من أكبر موزعين لأشهر ماركات الساعات السويسرية في سوريا. ولم تقف الشركة عند الحدود السوريّة بل أصبحت واحدة من أكثر الشركات العائليّة ذات السمعة الطيبة ليس فقط في سوريا بل في البلدان المجاورة واكتسبت شهرةً في كامل الشرق الأوسط.

ورّث كل من السيد هاكوب كازانجيان والسيدة عايدة كازانجيان المهنة لأبنائهما وابنتهما، وخلف ابنهما الأصغر السيّد رافي والده وكان خير استمرار لتجربة والده الناجحة، وعزم على نقل التجربة خارج الشرق الأوسط، فكانت الوجهة المثلى هي وطنه الأّم وهذا ما دعاه إلى توسيع نطاق الأنشطة التجارية للعائلة إلى وطنه أرمينيا. حيث انتقل السيّد رافي إلى أرمينيا في عام 2009 وأنشأ فرع للشركة في قلب يريفان عاصمة أرمينيا.

بالإضافة إلى التوسّع في أرمينيا تتطلع الأسرة إلى حاليًا إلى إنشاء مصنع صغير في سويسرا. كما أنّ الابن الأكبر للعائلة انتقل  إلى كندا وانتقلت ابنة العائلة السيدة مارال كازانجيان إلى فرنسا لإدارة أعمال العائلة هناك.

تُتعتبر عائلة كازانجيان من أفضل الأمثلة على الشركات العائلية المكافحة، وفي ذات الوقت يُعطينا تاريخ شركة كازانجيان ووتشز لمحة عن صناعة الساعات السويسرية في سوريا وتفوقها في كثير من الأوقات على ذات الصناعة في كثير من الدول، ولكن الأحداث في سوريا أثرت بطبيعة الحال على تجارة العائلة مما أدى إلى انتشارها في كثير من البلدان كما رأينا.

ليست عائلة كازانجيان هي وحدها من تأثرت بما حدث بعد عام 2011 وإنما قطاع صناعة المجوهرات بأكمله؛ ولذلك تعالوا نرى كيف تأثر هذا القطاع في الفقرة التالية.

صناعة المجوهرات في ما بعد عام 2011

لا غرابة في أنّ الصناعة كغيرها تأثرت كثيرًا بما يحدث في سوريا، فالكثير من الصيّاغ عمومًا، والحلبيين خصوصًا خسروا مهنتهم، ,وتركّز سوق بيع الذهب في العاصمة التي يتجاوز حجم مبيعاتها بحسب تقرير لجريدة الأخبار 3 كلغ يوميًا. ويضيف التقرير الذي أعدته جريدة الأخبار بإنّ حجم المبيعات يتقلص إلى نصف هذا المبلغ وما دونه في اللاذقية. التي تصل أعداد محال بيع الذهب فيها إلى 150 محلاً، إضافة إلى وجود ورشات صناعية قليلة فيها.

في زمن الحرب يقل اهتمام الناس بالشكل، والتصميم بقدر ما يهتم الناس بالذهب كقيمة وطريقة سهلة لتخزين الأموال، وبالتالي لم يعد يلتفت الكثير من الصياغ إلى الناحية الجماليّة بذات الاهتمام كما قبل الحرب، حيث زاد الطلب أكثر على الليرات الذهبيّة، وغيرها من الحلي التي لا تخسر كثيرًا من سعرها عند بيعها.

ختامًا نحب أن نبيّن أنّ التقرير ربما ركز أكثر على مدينة دمشق كون المصادر والمقالات تحدثت أكثر عنها ولكننا نرحب بأي إضافة أو معلومة يمكنها أن تُغني التقرير وتضيف له، وفي حال نوفّر معلومات كافية عن محافظة أُخرى سنخصها بتقرير خاص بها نذكر فيه أهم ما يميّزها.